العيني

155

عمدة القاري

وأما قول أبي النجم : * سبى الحماة وابهتوا عليها * فإنَّ على ، مقحمة ، وإنما الكلام بهته ، ولا يقال : بهت عليه ؛ وفي ( الصحاح ) : بهت الرجل بالكسر إذا دهش تحير ، وبهت بالضم مثله ، وأفصح منهما : بهت ، لأنه يقال : رجل مبهوت ، ولا يقال : باهت ولا بهيت ، قاله الكسائي . قلت : فيه نظر لما مر ، ولقول القزاز : بهت يبهت ، وفيه لغة أخرى وهي : بهت يبهت بهتاً . قال هو وابن دريد في ( الجمهرة ) : هو رجل باه وبهات ؛ وقال الهروي : * ( ولا يأتين ببهتان ) * ( الممتحنة : 12 ) أي : لا يأتين بولد عن معارضته فتنسبه إلى الزوج كان ذلك بهتان وفرية ، ويقال كانت المرأة تلتقط الولد فتتبناه . وقال الخطابي : معناه ههنا قذف المحصنات وهو من الكبائر ، ويدخل فيه الاغتياب لهن ورميهن بالمعصية . وقال أيضاً : لا تبهتوا الناس بالمعايب كفاحاً ومواجهة ، وهذا كما يقول الرجل : فعلت هذا بين يديك ، أي : بحضرتك . قوله : ( تفترونه ) من الافتراء وهو الاختلاق ، والفرية : الكذب . يقال : فرى فلان كذا ، إذا أختلقه ، وافتراه : اختلقه ، والاسم : الفرية ، وفلان يفري الفرى ، إذا كان يأتي بالعجب في عمله ، قال تعالى : * ( لقد جئت شيئاً فرياً ) * ( مريم : 27 ) أي : مصنوعاً مختلقاً ، ويقال : عظيماً . قوله : ( ولا تعصوا ) ، وفي باب وفود الأنصار : ولا تعصوني ، والعصيان خلاف الطاعة ، قوله : ( في معروف ) أي : حسن ، وهو ما لم ينه الشارع فيه ، أو معناه مشهور أي : ما عرف فعله من الشارع واشتهر منه ، ويقال : في معروف ، أي : في طاعة الله تعالى ، ويقال : في كل بر وتقوى . وقال البيضاوي : المعروف ما عرف من الشارع حسنه ، وقال الزجاج : أي المأمور به ، وفي ( النهاية ) : هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والإحسان إلى الناس ، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات . قوله : ( فمن وفى منكم ) أي : ثبت على ما بايع عليه ، يقال بتخفيف الفاء وتشديدها ، يقال : وفى بالعهد وأوفى ووفي ثلاثي ورباعي ، ووفى بالشيء ثلاثي ، ووفت ذمتك أيضاً و : أوفى الشيء ووفي ، و : أوفي الكيل ووفاه ، ولا يقال فيهما وفى قوله : ( ومن أصاب من ذلك شيئاً ) : من ، هي التبعيضية ، وشيئاً ، عام لأنه نكرة في سياق الشرط ، وصرح ابن الحاجب بأنه كالنفي في إفادة العموم كنكرة وقعت في سياقه قوله : ( كفارة ) الكفارة : الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة ، أي : تسترها ، يقال : كفرت الشيء أكفر ، بالكسر ، كفراً أي : سترته ، ورماد مكفور إذا سفت الريح التراب عليه حتى غطته ، ومنه الكافر لأنه ستر الإيمان وغطاه . ( بيان الإعراب ) : قوله : ( عائذ الله ) عطف بيان عن قوله أبو إدريس ، ولهذا ارتفع . قوله : ( إن عبادة ) أصله بأن عبادة ، قوله : ( وكان شهد بدراً ) الواو فيه هي الواو الداخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوقها بموصوفها . وإفادة أن اتصافه بها أمر ثابت ، وكذلك الواو في قوله : ( وهو أحد النقباء ) ولا شك أن كون شهود عبادة بدراً ، وكونه من النقباء صفتان من صفاته ، ولا يجوز أن تكون الواوان للحال ولا للعطف على ما لا يخفى على من له ذوق سليم ، قوله : ( بدراً ) منصوب بقوله : شهد ، وليس هو مفعول فيه ، وإنما هو مفعول به ، لأن تقديره شهد الغزوة التي كانت ببدر ، قوله : ( وهو ) مبتدأ وخبره : أحد النقباء ، و ( ليلة العقبة ) نصب على الظرفية ، قوله : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أصله : بأن ، فإن قلت : كيف هذا التركيب : أن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن قوله : وكان شهد بدراً إلى قوله : إن ، معترض ؟ قلت : تقديره : أن عبادة بن الصامت قال أو أخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ساقط من أصل الرواية ، وسقوط هذا غير جائز ، وإنما جرت عادة أهل الحديث بحذف : قال ، إذا كان مكرراً نحو : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع هذا ينطقون بها عند القراءة ، وأما هنا فلا وجه لجواز الحذف ، والدليل عليه أنه ثبت في رواية البخاري هذا الحديث بإسناده هذا في باب : من شهد بدراً ، والظاهر أنها سقطت من النساخ من بعده ، فاستمروا عليه ، وقد روى أحمد بن حنبل عن أبي اليمان بهذا الإسناد : أن عبادة حدثه . قوله : ( قال ) جملة في محل الرفع لأنها خبر : إن ، قوله : ( وحوله عصابة ) جملة اسمية وقعت حالاً ، وقوله : عصابة ، هي المبتدأ ، و : حوله ، نصب على الظرفية مقدماً خبره ، قوله : ( من أصحابه ) جملة في محل الرفع على أنها صفة للعصابة ، أي : عصابة كائنة من أصحابه ، من ، للتبعيض ، ويجوز أن تكون للبيان ، قوله : ( بايعوني ) : جملة مقول القول ، قوله : ( على أن ) كلمة : أن ، مصدرية أي : على ترك الإشراك بالله شيئاً ، قوله : ( ولا تسرقوا ) وما بعده كلها عطف على : لا تشركوا ، قوله : ( تفترونه ) ، جملة في محل الجر على أنها صفة لبهتان ، قوله : ( ولا تعصوا ) أيضاً عطف على المنفي فيما قبله ، قوله : ( فمن وفى ) كلمة : من ، شرطية مبتدأ ، ووفى جملة صلتها ، قوله : ( فأجره ) مبتدأ ثان ، وقوله : ( على الله ) خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ الشرط ، قوله :